محمد أبو زهرة

3704

زهرة التفاسير

إِنَّما أداة قصر ، أي لا يأتيكم به إلا اللّه ، إن شاء يأتيكم به في زمانه الذي يشاء أن يكون فيه . وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي إنه لا محالة نازل بكم في وقته الذي حدده اللّه تعالى في علمه ، وأنكم لستم مع طاغوتكم بمعجزين للّه سبحانه وتعالى ؛ ذلك أنهم ضعفاء لا يقفون أمام إرادة القاهر الجبار . وإن عمل نوح ليس إنزال العذاب ، إنما ذلك من عند اللّه ، وعمله هو النصح ، فإن لم ينفع النصح ، فاللّه تعالى يريد أن تستمروا في طريقكم فتقعوا في العذاب بإرادتكم ، إذا اخترتم طريقها وصرتم في مجرفها حتى انتهيتم إليها . وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) . أي لا تنفعكم نصيحتى الصادرة لكم في إخلاص وإيمان بالحق إن أردت أن أنصح لكم وأخلص لكم مرفقا بكم غير مغلظ ، إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ أي إن كانت إرادة اللّه تعالى أن تستمروا في طريق الغواية وهي الضلالة حتى تنتهوا إليها ، فأنا أريد لكم النصح واللّه يريد لكم أن تستمروا في طريق الضلالة وإرادته سبحانه هي النافذة . ثم ذكر نوح أن اللّه تعالى هو الذي خلقكم ويعرف مآل أعمالكم وأنكم راجعون إليه ولذا قال : هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، هو ربكم الذي خلقكم ويعلم ما تخفى صدوركم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ إنذار لهم فالمرجع إليه وأنه لمحاسبكم على كل ما صنعتم محاسبة العليم الخبير السميع البصير ، وقوله تعالى : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تدل بتقديم الجار والمجرور على أن المرجع إليه وحده ، وإن في هذا القصص الحكيم لأمرين : الأمر الأول : التخفيف عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولبيان أنه لاقى النبيون مما لاقى هو ، والعاقبة كانت لهم وحادّهم المشركون بما حادّوا به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن ذلك عبء يحتمل في سبيل أداء الرسالة الإلهية إلى خلق اللّه تعالى ، فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها .